أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

88

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقدّره الشيخ « 1 » فقال : « وذلك على حذف مضاف أي : صنع اللّه الغريب مثل ذلك الصنع ، فيكون « يَفْعَلُ ما يَشاءُ » شرحا للإبهام الذي في اسم الإشارة » فالكلام على الأول جملة واحدة وعلى الثاني جملتان . وقال ابن عطية : « ويحتمل أن تكون الإشارة بذلك إلى حال زكريا وحال امرأته ، كأنه قال : ربّ على أيّ وجه يكون لنا غلام ونحن بحال كذا ؟ فقال له : كما أنتما يكون لكما الغلام ، والكلام تامّ على هذا التأويل في قوله : « كَذلِكَ » وقوله : « اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ » جملة مبنية مقرّرة في النفس وقوع هذا الأمر المستغرب » انتهى . وعلى هذا الذي ذكره يكون « كَذلِكَ » متعلقا بمحذوف ، و « اللَّهُ يَفْعَلُ » جملة منعقدة من مبتدإ وخبر . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 41 ] قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ( 41 ) قوله تعالى : اجْعَلْ لِي آيَةً يجوز أن يكون الجعل بمعنى التصيير فيتعدّى لاثنين أوّلهما « آيَةً » والثاني : الجارّ قبله . والتقديم هنا واجب ، لأنه مسوّغ للابتداء بهذه النكرة وهي « آيَةً » لو انحلّت إلى مبتدأ وخبر إلا تقدّم هذا الجارّ ، وحكمها بعد دخول الناسخ حكمها بما قبله ، والتقدير : صير آية من الآيات لي . ويجوز أن يكون بمعنى الخلق والاتّخاذ أي : اخلق لي آية فيتعدّى لواحد ، وفي « لِي » على هذا وجهان : أحدهما : أن يتعلّق بالجعل . والثاني : أن يتعلّق بمحذوف على أنه حال من « آيَةً » لأنه لو تأخّر لجاز أن يقع صفة لها ، ويجوز أن يكون للبيان . وحرّك الياء بالفتح نافع وأبو عمرو ، وأسكنها الباقون . قوله : أَلَّا تُكَلِّمَ أن وما في حيّزها في محلّ رفع خبرا لقوله : « آيَتُكَ » أي : آيتك عدم كلامك للناس . والجمهور على نصب « تُكَلِّمَ » بأن المصدرية . وقرأ ابن أبي عبلة برفعه ، وفيه وجهان : أحدهما : أن تكون « أن » مخففة من الثقيلة ، واسمها حينئذ ضمير شأن محذوف ، والجملة المنفيّة بعدها في محلّ رفع خبرا ل « أن » ، ومثله : ( أفلا يرون أن لا يرجع ) « 2 » ( وحسبوا أن لا تكون فتنة ) « 3 » ، وقع الفاصل بين أن والفعل الواقع خبرها بحرف نفي ، ولكن يضعف كونها مخففة عدم وقوعها بعد فعل يقين . والثاني : أن تكون الناصبة حملت على « ما » أختها ، ومثله : لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ « 4 » ، وأن وما في حيّزها أيضا في محلّ رفع خبرا « آيَتُكَ » . قوله تعالى : ثَلاثَةَ أَيَّامٍ الصحيح أنّ هذا النحو - وهو ما كان من الأزمنة يستغرق جميعه الحدث الواقع فيه - منصوب على الظرف خلافا للكوفيين فإنّهم ينصبونه نصب المفعول به ، وقيل : « وثمّ معطوف محذوف تقديره : ثلاثة أيام ولياليها ، فحذف كقوله تعالى : تَقِيكُمُ الْحَرَّ « 5 » ونظائره ، يدلّ على ذلك قوله في سورة مريم : ثَلاثَ لَيالٍ

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 451 . ( 2 ) سورة طه ، آية ( 89 ) . ( 3 ) سورة المائدة ، آية ( 71 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 233 ) . ( 5 ) سورة النحل ، آية ( 81 ) .